طريق التمرد : الزاوية – الكُشح – الإسكندرية !

21 مايو 2008

د. حلمي محمد القاعود
drhelmyalqaud@yahoo.com

لم يقف التمرد الطائفي عند أحداث الخانكة التي توافقت مع اعتلاء الأنبا شنودة عرش الكنيسة المرقصية في مصر ، التي فقدت سلطتها على كنيسة القدس وكنيسة الحبشة . امتد التمرد الذي أخذ شكلاً نمطياً أو شبه نمطي إلى أكثر من مكان ، وعادة يبدأ بالاستفزاز من جانب المتعصّبين الطائفيين ، مما يقتضى رداً من جانب عوامّ المسلمين ، وتجري بعدئذ عملية التهييج على المستويين المحلى والعالمي ، الأول من خلال اليسار المتأمرك والعلمانيّين والمرتزقة ، تحت دعاوى التطرّف الإسلامي والوهّابية وعدم قبول الآخر والأصولية وغير ذلك ، والمستوى الآخر العالمي ، ينطلق من خلال عصابات المهجر المتعصّبة ومنظمات وعملاء الغرب ، ومواقع الإنترنت ، والصحف الصليبية الاستعمارية تحت عنوان ” اضطهاد الأقباط في مصر ” ، و” الحرّية الدينية ” .. ثم تفرض مطالب طائفية تحقق المزيد من الامتيازات على حساب الأغلبية الساحقة ، مع الفرز الطائفي الذي يعزز الجيتو الكنسي ، ويفصل بين المواطنين !
عقب أحداث الخانكة حاول الرئيس السادات أن يحتوى التمرّد الطائفي بالعديد من التنازلات ، لدرجة أن أعلن على الهواء ذات يوم وعبر التلفزيون والإذاعة في احتفال ضم شيخ الأزهر فضيلة الإمام الراحل عبدا لحليم محمود ، والأنبا شنودة ، عن فكرة الكتاب المشترك الذي يدرسه طلاب التعليم الأساسي بديلاً عن التربية الدينية الإسلامية ومقرر الدين المسيحي ، ويُحسب للإمام الراحل عبدا لحليم محمود شجاعته التي تجلت على الهواء أيضاً ، ورفضه لهذه الفكرة ، ثم كتابة مقال علمي رائع ، رفضت نشره الصحف الحكومية ، ونشرته مجلة ” الاعتصام ” الشهرية – رد الله غربتها – فنّد فيه فساد الدعوة إلى الكتاب المشترك ، ومنافاتها لطبيعة مصر وثقافتها ، وهى الدعوة التي أعيد إنتاجها بعد عقدين من الزمان تقريباً ، على يد اليساريين المتأمركين والعلمانيين والمرتزقة الذين كانوا يرسمون سياسة وزارة التعليم ، فيما عرف بكتاب ” الأخلاق ” ، وقد عدلت عنه السلطة منذ فترة قصيرة !
لم تجد محاولات الرئيس السادات في احتواء التمرد الطائفي الذي وجد مدداً صليبياً استعمارياً قويا ، بعد انتقال السياسة المصرية من التماهى مع المعسكر الاشتراكي إلى المعسكر الاستعماري الأمريكي ، فقد فرض هذا المعسكر أجندته السياسية والإستراتيجية التي وضعها ” هنري كيسنجر ” ؛ وزير الخارجية الأمريكي آنئذ ، وتقضى بتفتيت المنطقة العربية عقب حرب رمضان 1973م ، التي أزعجت الغرب وأقلقته خوفاً على مستقبل القاعدة الاستعمارية التي أقامها في فلسطين ، وبالفعل بدأ تفتيت لبنان عام 1975، وتقوية حركة أنانيا في جنوب السودان ، والتمكين للحكم النصيرى الطائفي في دمشق ، وإشعال النار بين العراق وإيران وإثارة القلاقل بين المغرب والجزائر ، واتسعت في التسعينيات وما بعدها ، الأحداث المأساوية في شتى أرجاء المنطقة العربية ، وأبرزها غزو العراق ومن قبله أفغانستان ، ثم الصومال ودارفور ولبنان ثانية ..
لقد اضطر السادات إلى إعفاء الأنبا شنودة من منصبه وتشكيل مجلس جماعي لإدارة الكنيسة حين رأى التمرّد يأخذ شكلاً متحدياً وسافراً ، وبعد موته سجّلت المحكمة حكماً تاريخياً يدين الأنبا وتصرفاته ، وإن كان الرئيس مبارك قد أعاده يومها حرصاً على لملمة جراح الوطن وجمع أشلائه الممزقة !
بيد أن التمرد الطائفي على المستوى التطبيقي أخذ أبعاداً غريبة وغير مقبولة ، بدءًا من أحداث الزاوية الحمراء ، مروراً بالكشح وغيرها ، حتى أحداث المسرحية التي مثلت في كنيسة مار جرجس بالإسكندرية .
وقعت أحداث الزاوية الحمراء عام 1981م ، حيث أطلق طائفي اسمه ” كمال عياد ” النار من مدفعه الرشاش على مجموعة من الأطفال ، يدرسون ويحفظون القرآن في مصلى ( يسمى مسجد النذير الآن ) أمام منزله ، فقتل وجرح عدداً منهم ثم فرّ هارباً .. وكان من الطبيعي أن يثور عامة الناس من روّاد المقاهي والباعة وغيرهم ، ويردوا على العدوان الإجرامي ، وتمثل الرد في إحراق بعض البيوت التي يملكها النصارى ، وامتدت الأحداث إلى منطقة الوايلى ، وكادت تشمل القاهرة بأسرها لولا لطف الله !
وإذا عبرنا مساحة زمنية أطول وتجاوزنا عن نماذج محدودة لنتوقف قليلاً عند أحداث الكشح ( ديسمبر 1999 ) ، فسوف نجد أن الاستفزاز الطائفي هو هو ، والتحدي السافر هو هو ، فقد رفض أحد تجار الأقمشة النصارى ، ردّ بضاعة اشترتها منه امرأة مسلمة ، وقام بشتمها وسبها و ” لعن دينها ” ، ثم دفعها بيده ، مما أدى إلى سقوطها أرضاً – كما يقول تقرير جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان في 12/1/2000 م – وانحسر الثوب عن ساقي المرأة ، مما استفز رجالاً من عائلتها وجيرانها لردّ العدوان بتحطيم محل التاجر وبعض المحلات المجاورة المملوكة لنصارى .
بعد مدة وجيزة قام عدد من عائلة التاجر النصراني وأصحاب المحلات المحطمة بتكسير عدد من الأكشاك المملوكة للمسلمين المقامة أمام محلاتهم ، وانتشرت الشائعات داخل الكُشح وخارجها ، بأن المسيحيين قتلوا المسلمين ، وهو ما ضاعف اندفاع جماهير المسلمين في القرى المجاورة لتحطيم محلات للنصارى وحرق بعض السيارات ، وأسفرت الأحداث في الكُشح وخارجها عن عشرين قتيلاً ، وما يزيد عن ثلاثين مصاباً ، وتم القبض على خمسة وثمانين شخصاً . كما صدر أمر بإلقاء القبض على القس ” جبرائيل عبد المسيح ” ، وقد استبعد القس من قائمة المتهمين فيما بعد تجنباً لتصعيد التوتر في القرية .
كانت هناك أحداث أخرى عام 1998م في الكُشح ، انتهت إلى ظلم المسلمين من كافة الجهات الحكومية ، ومحاولة إرضاء النصارى بشتى الطرق ، لدرجة أن الشرطة كانت تسترضيهم في حالة أي خلاف ينشأ بينهم وبين المسلمين حتى لا يظهر الأمر على أنه اضطهاد للنصارى ، وتفادياً للتشهير الإعلامي في الخارج ، حيث لا تكف وسائل إعلامهم – المُمولة بمليارات الدولارات – عن اصطياد أي حادث محدود ثم تضخيمه لصالح التمرد الطائفي الذي تقوده أقلية الأقلية التي تحلم بإقامة دولة في جنوب مصر على نمط جنوب السودان، استقواء بالخارج وقوى الصليبية العالمية .
وإذا كانت أحداث الخانكة والزاوية الحمراء والكُشح وغيرها ، تبدأ بالاستفزاز على الأرض ، بمعنى التحرك العملي المباشر للتعبير عن التمرد وتجاوز القانون بسلوك عنيف ، يستدعى ردّاً عنيفاً أو أعنف ، فقد تطور الاستفزاز على الأرض والتحدي من خلال الفكر أو الهجوم الفكري ، فيما عبّرت عنه أحداث مسرحية ” كنت أعمى والآن أبصر ” التي كادت تشعل الإسكندرية وتُضرم النار في أحشائها وتحرق الجميع .. ومن الغريب أن المتمرّدين الطائفيين المتعصّبين ، يُلقون دائماً باللوم والتبعة على جهات الأمن فهي إما مقصرة في حمايتهم (!) أو محرّضة على العنف ! وللأسف فإن هذه الجهات هي التي تضغط على الجانب الإسلامي الذي يضطر لإغلاق ملفات العدوان عليه رغباً أو رهباً .. ولكن هذه الضغوط قد تُحدث انفجاراً لا يُبقى ولا يذر مالم يتم تدارك التمرد الطائفي ومحاسبته قانونياً بكل حزم وصرامة.

  • المصريون 20/5/2008م
  • أبناؤنا .. بين الموهبة الحقيقية والموهبة المزيفة .. !!

    19 مارس 2008

    أحاول على فترات متباعدة - بسبب الانشغال - أن أنظر في أحوال بيوت المسلمين , لكي أتحسس اقتراب جيل النصر المنشود , وهل وُلِدَ هذا الجيل فعلا , أم أن جيلي لن يراه أبدا ؟
    واخترت البيوت دون غيرها من مجالات التجمع الإنساني ؛ لأنها مرآة المجتمع .. ومن أراد أن يعرف صفات مجتمع ما , فليسلط الأضواء على شريحة من الأُسَر التي تنتمي إليه وسيصل إلى نتائج قريبة جدا من الحقيقة , هذا إذا لم يصب الحقيقة نفسها .. فالمجتمع ما هو إلا تجمّع العديد من الأسر التي تتصل فيما بينها بروابط ثقافية وجغرافية واحدة .
    ومن خلال القراءات السابقة عن كيفية إعداد الجيل المنشود , وجدت أنه لا بد من غرس صفات معينة يحتاجها الناجحون الذين تقوم على أكتافهم النهضات .. وليس بالضرورة أن يَنتُج هذا الجيل مع أول غرس , بل أظن ذلك خطأً نظريا وعمليا فاحشا , فينبغي أن يكون هناك جيل وسيط بين الأجيال المنهزمة وبين أجيال النهضة , لكي يأخذ التحول دورته المرحلية الصحيحة ..
    ربما تكون المرحلة الوسيطة جيلا أو أكثر , وربما يكون معيار التوسط فيها بين المرحلتين هو تجربة فكرية أو تربوية متزامنة مع فترة زمنية يُستبدَل فيها جيل قائم بجيل قادم ..
    وكما سبق وقلت .. يحتاج هذا الجيل المنتظر لكي يظهر إلى غرس صفاتٍ يستطيع أصحابها أن ينهضوا من خلالها بمجتمعاتهم , كتحمل المسؤولية وإخلاص النوايا والتضحية والشجاعة والصبر والفكر العميق والخلفية العلمية والثقافية والتعلّم من التجارب السابقة ..
    كما يحتاج إلى عين دقيقة من الآباء والأمهات , ترصد بوادر التميز والنبوغ في هذه الصفات لدي أبنائهم , أو استيعابهم وفهمهم للمكتسبات العلمية والثقافية التي حصّلوها في مراحل تعليمهم ..
    وهذه النقطة تحديدا هي ما سوف أسلط عليها مزيدا من الضوء ؛ حتى أستجلي الحقيقة وأضع يدي على مصدر الخلل فيها إن شاء الله .
    وينبغي أيضا أن نربط بين ما نعتبره مواهب في الأبناء وبين أهداف الأبناء والآباء في الحياة ..
    فالابن الذي يحب أن يكون طبيبا يستشعر أن امتلاكه خاصية المعرفة في مجالات الطب هي الموهبة الكبرى لديه , والأب صاحب الأموال والتجارات الكثيرة المتعددة يحب أن يرى ابنه مديرا ناجحا ويعتبر أن امتلاكه لحاسة الإدارة هي قمة التميز ..
    إذن .. فالموهبة من حيث الشعور بوجودها تخضع لأماني الأشخاص , وهذه الأماني بدوها تخضع لظروف محيطة بهم , سواء كانت ظروفا ثقافية أو مادية أو اجتماعية ..
    وربما يكون الوالد يتمنى لولده أن يكون طبيبا ناجحا أو إداريا بارعا , لكنه يكتشف في الابن مواهب أخرى بعيدة كل البعد عن المجال الذي يحب أن يسخر فيه طاقاته.
    ومن الملاحظ أن الأُسَرة المصرية على وجه التحديد تفهم ما يخص موهبة أبنائها وتَمَيُّزَهم بشكل مغلوط نوعا ما .. وأخُص الأسرة المصرية حتى أكون دقيقا في تحليلي ولا أتجاوز إلى بلاد أخرى ربما يختلف فيها المعيار عند الأسرة فيما يتعلق بمواهب الأبناء ..
    فالموهبة في مفهوم الأسرة المصرية , هي كل ما يسمى اليوم فَنّاً , أي فنًّ شئت , إذا لاحظ الأب والأم أن ابنهما يميل إلى الرسم , ثم انتقل هذا الشعور إلى الأقارب والأصدقاء , سارع أولئك بنصيحتهم أن ينمّوا موهبة الطفل النابغة حتى لا تضيع سدى!!
    وإذا شعر الوالد من ابنه مهارة في تحريك الكرة برجليه سارع باصطحابه إلى أحد النوادي , ربما يكون ذا شأن ويستفيد بموهبته!!
    وكذلك إذا كان الولد ميالا إلى الموسيقى أو الغناء , فيا سعد أبويه بتلك الموهبة الأخّاذة!!
    وعلى هذا : تكاد الموهبة إذا ذُكِرَتْ تنحصر في هذه الأطُر .. الغناء , واللعب , والرسم , والموسيقى ..
    فهل هذه الأمور تستحق العناية البالغة التي تحظى بها في مجتمعنا الآن؟ .. وهل بالغناء والموسيقى والرسم ولعب الكرة سنعدّ جيل النصر والتمكين؟ ..
    لا أتصور دور هؤلاء في المعارك والمواقع المصيرية يكون مثل دور من زرع وحصد وتشققت يداه من الإمساك بفأسه تحت شمسٍ حامية الوطيس , أو حتى مثل طفل ينام تحت سيارة لا تبخل عليه بخرير زيوتها وشحومها وهو يمسك بأجزائها ليصلح ما بها من العطب.
    نعم قد يعبّر الرسام عن مأساة قومه وأهله , والمغني قد يحرك الشجون ويحمّس النفوس ..
    لكن الحق , أن هذين وغيرهما يوجد من يقوم بدورهما من أهل العزم والعزيمة , فالكاميرا التي يحملها مصور تنقل الواقع أفضل من تخيلات الرسام , والشاعر الذي يعايش المرحلة ويدرك حجم المسؤولية يستطيع أن يلهب المشاعر , والكاتب المخلص سوف تستجيب له العقول والقلوب وتتحرك بعد أن يكشف الحق ويجلّي الحقائق ..
    أما المواهب الحقيقية التي ينبغي أن ينميها الأبوان في أبنائهما , هي تلك التي تغرس فيهم القدرة على تحمل المسؤوليات , وإحسان التخطيط للمستقبل , وبُعْدِ النظر , والمهارات الفكرية والعقلية والاجتماعية ..
    كثيرا ما أرى طفلا صغيرا تبدو عليه مخايل الحكمة وسعة العقل , ويسبق سنه بمراحل عديدة , لكنه في النهاية يضيّعه قومه ويقضي أبواه على موهبته النادرة , ظنًّا منهما أنه لا بد أن يعيش سنّه ومرحلته , ولا يدركان أن قمة اللذة عند الصغير هي احترام الكبار لعقله وتفكيره !!
    إن الفتي الموهوب هو الفتي الذي تستطيع الاعتماد عليه , وهو الذي يخرج مما يتعرض له من الأزمات بطرق صحيحة تمليها عليه موهبته الناشئة ..
    يا أيها الآباء .. دققوا النظر جيدا في أبنائكم , واعرفوا العقلاء منهم , حتى لا تخسروا جيلا آخر ولا تقر أعينكم بنصرة هذا الدين ورفعة هذه الأمة ..

    في المسألة السلفية .. !!

    11 مارس 2008

    أرى أن أكبر معول يهدم به السلفيون ما بنوه لأنفسهم , هو “تعظيم وَتَوْثِين الشيوخ” .. فالحالة لم تَعُدْ مجرد سلوكياتٍ فردية من بعض الأتباع أو طلبة العلم الجدد .. بل اذهب وتكلم مع أي سلفي في المسجد أو على صفحة منتدى في الإنترنت أو انزل إلى الشارع , فستجد ابن باز وابن عثيمين والألباني وابن تيمية كلامهم قرآنا منزلا , لا يجوز نقده في تصورهم .. وأن من خالف فتاويهم فهو الضلال والابتداع بعينه ..
    كما أن المنهج العلمي الذي يعتمد عليه السلفيون ليس منهجا صحيحا , ولا يُخرج فقيها معتدلا , اللهم إلا لو كان الله قد غرس في فطرته الاعتدال .. لأن طريقة تدريس العلوم عندهم: أن ما يلقونه إلى طلابهم هو فَهْمُ السلف ومنهجهم , وهو الحق والسنة والعدل والوسطية , فيخرج الطالب من مراحل دراسته وهو يتصور أنه هو ومن على شاكلته فقط أهل السنة , وأن غيرهم مبتدعة ضالّون مضلون , وأخطر على الأمة من اليهود والنصارى ..!!!
    وارجع إلى كلامهم في حق الأشاعرة .. مع أن الأشاعرة هم شيوخ الإسلام , والواحد فيهم فقط , كابن حجر أو النووي أو العز بن عبد السلام أو الغزالي أو إمام الحرمين – الواحد من هؤلاء فقط - في نفعه للدين وخدمته للأمة , أعظم من سلفية زماننا مجتمعين .. ورغم ذلك تجد هجوما مسعورا على الأشاعرة , وتشويها لتاريخهم وصورتهم بالحق والباطل , رغم كل ما قدموه للدين والأمة من مراجع علمية في كل فنون العلم الشرعي , ولم يشفع لهم شيء من ذلك في تجنب تلك الحملات المسعورة .. !!
    حتى أن مؤلفا سلفيا كبيرا وهو سفر الحوالي يكتب في “نقد منهج الأشاعرة” ويستدل بأدلة غريبة على أن ابن حجر ليس أشعريا !! .. بل ويختم حكمه عليه وكلامه في حقه بأن يقول : (( ولو قيل أن الحافظ رحمه الله كان متذبذبَ العقيدة لكان هذا أصح )) !!
    إن السلفيين بإقصائهم غيرهم اصطنعوا لأنفسهم عداوات ما كان ينبغي لهم أن يصطنعوها .. وطريقة التعليم الإقصائية تلك تسبب خللا في الفهم , ينتج عنه التعصب والغلو بلا شك ..
    وينتج عنه كذلك تضخيم الصغائر ..
    ومن معاول هدم المنهج السلفي الذي نتحدث عنه:
    اهتمامهم بتلك الصغائر على حساب أمور عظيمة .. فلم نسمع لشيخ منهم فتوى عن توريث الحكم وأدلته من الشرع الحنيف , بل على العكس تماما , وجدنا منهم من يوجب ذلك أو يجيزه .. ولم نسمع منهم بيانا يدين آل سعود مثلا أو غيرهم من الحكام بسبب التعاون مع الأمريكان , برغم ما يفعلونه من حصار المسلمين وتجويعهم وقتلهم في مختلف بلاد الإسلام .. مع أن السلفيين ملأوا الدنيا ضجيجا في الحديث عن الولاء والبراء , وأن العاصي لا بد أن يهجره الناس حتى يعود إلى رشده ..
    فبهذا المنطق المعكوس أصبح المسلم العاصي مهجورا - وربما كان فقط على خلاف رأيهم وليس على معصية - , وأصبح العدو الكافر صديقا حميما ..!!
    هذا الخطاب السلفي لابد أن يتراجع عنه أصحاب العقول يوما ما ..
    ويشهد لهذا أن أغلب البيئات التي ينتشر فيها غير بيئات السعودية والخليج هي البيئات الخالية من المناهج العلمية الصحيحة أو الأوساط ضحلة الثقافة الشرعية .. سواء كان ذلك بسبب تقصير أصحاب المنهج الصحيح , أو التضييق عليهم وخنقهم ..
    لعلها كلمات تجد من يسمعها ويتدبر فيها ويبدأ حملة الإصلاح , فالنقد أول طرق التصحيح التي تكشف مواطن الخلل ..

    قناة العربية تصرِّح بميولها المارونية .. !!

    09 مارس 2008

    بقلم : حبيب النجار
    في سابقة لم تشهدها وسيلة إعلامية بهذا الانتشار، ربما في العالم كله، وفي الاحتفال الذي جرى في الثالث من شهر مارس الحالي، في فندق إنتركونتننتال بدبي، والذي أقامته مجموعة mbc الإعلامية، للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة لتأسيس قناة العربية، كشفت “العربية”، وللمرة الأولى بطريقة سافرة عن ميولها السياسية الموالية لكل ما يصب في مصلحة أمريكا وإسرائيل، وهو الأمر الذي لم تسمح له بالظهور كاملا على شاشتها، والذي أنقله إليكم في هذا المقال بعد حضوري لمجريات الحفل كاملة، بعد أن تلقيت دعوة غير مقصودة!
    قد لا يختلف اثنان على وضوح توجه “العربية” في معظم تغطياتها الإخبارية، وبرامجها الحوارية، وأفلامها الوثائقية، وإعلاناتها التجارية، وحتى في موقعها الإلكتروني، الذي تحول إلى منبر لمنظري الليبرالية الجديدة، بل وأصبح أكثر انحطاطا من الصحافة الصفراء، التي تسعى وراء الربح عبر الفضائح وأخبار الجنس، إذ لا يخفى على كل مدقق، ما ترمي إليه مقالات وأخبار الموقع من نشر لسياسة وثقافة معينة، أهم ملامحها كسر الجليد عن الشذوذ والجنس، وإشاعة “القانون المدني”، بما فيه زواج غير المسلمين من النساء المسلمات، وترويج ثقافة الإحباط وجلد الذات والذوبان في الغرب.
    اختارت “العربية” لاحتفاليتها الخامسة اسم “خمس سنوات هزت العالم”، وزعمت أنها كانت حاضرة خلال هذه السنوات الخمس، بشكل فاعل في الإعلام العربي، وقدمت أثناء الحفل العديد من المقتطفات التي تثبت حضورها في تغطية الأحداث المهمة في عرض سمعي وبصري ملفت، وبالطبع فإن اختيارها لهذه المقتطفات، كان يصب فقط في مصلحة الموارنة، ومنها على سبيل المثال لقطة سريعة لعبد الحليم خدام، وهو يقول جملة واحدة لا غير: “رستم غزالي كان يحكم لبنان، وكأنه حاكمها الأوحد”.
    بنظرة سريعة على الحضور، يمكنني أن أضع الصورة الكاملة لسياسة “العربية” أمام القارئ، إذ فوجئ الحضور بوجود رئيس الكتائب اللبناني، أمين الجميل، وسط جوقة من حراسه الشخصيين، ليكون الوجه الوحيد الممثل للبنان في هذا الاحتفال، نيابة عن بقية الفرقاء، وإلى جانبه صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، والتابع بالضرورة إلى حركة فتح دون غيرها، بينما لم نلحظ من الوجوه السعودية غير بطلي طاش ما طاش، أما الوجهان الملتحيان الوحيدان حسب اطلاعي، فكانا معممين بعمامتين سود، بينما لم ألاحظ وجود أغطية لرؤوس النساء، إلا بما لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، في الوقت الذي تسابقت فيه النساء الحاضرات (وفي مقدمتهن مذيعات مجموعة mbcوالعربية) إلى كشف الكثير مما كان خفياً على المشاهد، بل كانت فرصة نادرة لكل المعجبين لالتقاط الصور، أما السمة الطاغية على وجوه وألسنة الحاضرين، فهي الحضور الماروني الكثيف، إلى درجة دفعتني للشعور بأني أحضر حفل “كوكتيل”، تنظمه أحزاب الكتائب والقوات اللبنانية، وهو ما لا يمكن بأي حال أن ينسب إلى الصدفة.
    لم يكتف منظمو الحفل بالأسلوب المعتاد في وسائل الإعلام لترويج سياساتهم عن طريق التلميح والانتقاء والقص واللصق، فبعد عرضهم للعديد من اللقطات المنتقاة مما بثته “العربية” خلال السنوات الخمس الماضية، والتي يجمعها عامل مشترك واحد، هو تبجيل قوى الرابع عشر من آذار وصب اللعنة على سورية وإيران.. بعد ذلك كله، أقدم أحد مذيعي “العربية” على تقديم اثنين من المهرجين “الكوميديان” اللبنانيين، ليقدما ما أسماه “الفكاهة الهادفة”، والتي كانت هادفة بالفعل، وإلى أبعد مما يتصوره العقل.
    قدم المهرج الأول عرضا فكاهيا، قلّد فيه العديد من الوجوه المعروفة، كان منها نبيه بري والسنيورة وعمرو موسى وجنبلاط، ومن العجيب حقا أن تصب هذه الفكاهة الهادفة كلها في اتجاه السخرية من سورية وحزب الله وإيران، والتصريح الواضح بإدانة ـ وليس اتهام ـ سورية باغتيال الحريري، بل وتبرئة إسرائيل بأسلوب ساخر! ثم السخرية من الرئيس لحود الذي تحول إلى مهزلة في أيامه الأخيرة، ومن علاقته المعروفة بالرئيس الأسد بأسماء صريحة واضحة!
    أما المهرج الثاني، فقد بلغت به الوقاحة حداً لم تعرفه حتى أكثر الأوساط قذارة، فما إن اعتلى المسرح حتى بارك للموضوعية والحرية في عيدها الخامس! ثم سارع لاستخراج عقد مسبق ببراءته من أي تهمة عبر طلبه من الجمهور الإذن له بالصراحة، حيث اعترف بأن فقرته ستكون جريئة وربما مزعجة للبعض، وبما أن أحدا لن يجرؤ على الاعتراض على سؤال كهذا، فقد حظي بفرصة جيدة لإخراج ما في نفسه. وبدأ على الفور بالهبوط إلى لغة الشوارع والبارات، ولم يخجل من ترديد أكثر الكلمات الجنسية وضوحا في حضرة وجهاء حزب الكتائب وحركة فتح وأساطين الإعلام العربي النزيه ونجوم الشاشة، ووسط ضحكات سيدات المجتمع المخملي.
    ولعلها المصادفة أيضا هي التي حصرت سخرية هذا المهرج في إطار الجنرال عون وسورية، بل وصل به الحال إلى القول بأنه وُلد بقدر مشؤوم لكونه قد خُلق في بلد تجاوره سورية!.. وبهذه “الفكاهة الهادفة”، ظن عباقرة الإعلام وفنون الاتصال في مجموعة mbc، أنهم سيضحكون على عقول الحضور ويخرجون من تهم الانحياز كالشعرة من العجين.
    أما الفقرة الأخيرة من برنامج الحفل، فقد كانت وصلة غنائية، قدمها مطرب لبناني ـ بالصدفة أيضا ـ اسمه فضل شاكر، مما سمح لسيدات وآنسات الحفل بالرقص طربا أمام الكاميرات.
    قد لا يفاجأ القارئ من وضوح الميول العلمانية - المارونية لمجموعة mbc، فجولة واحدة في أروقة بناء المجموعة الذي يحتل مكانا بارزا في مدينة الإعلام بدبي، تكفي لكي يشعر الزائر بأنه في مؤسسة إعلامية بوسط بيروت الشرقية، أما أن يسخر أصحاب “العربية” ومدراؤها من عقولنا، ويحرجون حضورهم المدعوين إلى الحفل، كوليّ عهد أبو ظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والنجم السوري أيمن زيدان بالسخرية الواضحة من دولة عربية ما زالت عضوا في الجامعة العربية، فهذا يطعن في النزاهة الصحفية قبل أي شيء آخر.
    ففي كلمة الافتتاح، قال رئيس مجلس إدارة مجموعة mbcوليد بن إبراهيم آل إبراهيم: “إن أول خمس سنوات من عمر “العربية” كانت كفيلة بجعلها مصدراً إخبارياً ومعلوماتياً موثوقاً للسّياسة والاقتصاد والأعمال والأخبار العاجلة؛ فنقلت الخبر، قبل وجهة النظر، بصدق وأمانة وتوازن ومصداقية، بعيداً عن التضخيم والمبالغة واستثارة العواطف والمشاعر”، ثم أضاف مدير عام “العربية” عبد الرحمن الراشد: “لا أحتاج إلى أن أسوّق لكم العربية فهي في بيوتكم وتسكن مع أهلكم، ولا أقولها مجازاً أو احتفالاً، ولكن لنتخيل العالم العربي بلا العربية خلال السنوات الماضية. لكان العنف انفرد بإعلامنا، ولكانت السنوات بفريق واحد، ولون واحد، ونوافذ متعددة لكن بمشهد واحد ولغة واحدة. لم يكن الثمن رخيصاً أبداً، فقد دفعت العربية الثمن دماً، من أجل إصلاح وتطوير الإعلام العربي الذي هو إصلاح للعالم العربي. وبالفعل، فقد تغيرت اللغة والمنهج والمواقف والأماكن”.
    قد يكون مقبولا أن ينساق الإعلاميون وراء ميولهم تجاه هذا الطرف أو ذاك، فنحن لا نحاكم هنا قوى الرابع عشر من آذار، ولا حركة فتح التي نقلت صحيفة “الجارديان” مؤخرا فضيحة تواطئها مع حكومة بوش لافتعال معركة عسكرية مع حماس تدفعها لإعلان الطوارئ وإزاحة حماس من الوجود (!).. إلا أن المثير للاشمئزاز والاستنكار في هذا السياق هو أن يتم تدويل الصراع على هذا النحو، فالقائمون على مجموعة mbc، ومن ورائهم، لم يختاروا لفضائيتهم اسما يفضح ميولهم المعروفة، بل اختاروا لها اسم “العربية”، ولم يجعلوا مقرها في بيروت بل في مدينة إعلام دولية، ولم يقصُروا موظفيها على جنسية معينة، ولكنهم اختاروا معظم وجوه شاشتها ومدرائها من الليبراليين السعوديين والموارنة .
    وعندما سخر المهرج الماروني في الحفل من قناة الجزيرة وقناة المنار، لم يدر في خلد الحاضرين الذين تم انتقاؤهم بعناية، أن الأولى عندما اتخذت لنفسها مسارا ما في قضايا العراق وفلسطين لم تكن بذلك منحازة إلا لحقوق الشعوب المقهورة وأنها لم تفعل ذلك على حساب تبنيها لقضايا العرب عامة، وأن الثانية لم تدّع لنفسها صفة التوجه إلى العرب جميعا لتحمل اسمهم، بل روجت لسياستها مع تصريح واضح بهويتها اللبنانية الشيعية وسياستها المقاومة للصهاينة وأعوانهم.
    أما ادعاء قناة كهذه (وهي تحمل اسم “العربية”)، بأنها تسعى لإصلاح وتطوير الإعلام العربي، فإنه لا يقف عند حدود تحقيق الهدف المصرح به من إنشاء خط مغاير لخط العنف فحسب، بل وتحويل هذا الخط الذي لا يمثل إلا سياسة النخب الحاكمة في الدول التي تستعد لفعل أي شيء لإرضاء أميركا، إلى ثقافة شعبية متنامية، فالغوغاء التي ترضى لنفسها الذل والهوان، وتقنع بسياسة الإلهاء التي تنتهجها مجموعة mbc، لملء عقول البشر بثقافة الاستهلاك والجنس والإحباط، هذه الغوغاء لن تبالي بتبجيل حكامها المتخمين، بل وستشعر مع استمراء هذه السياسة الإعلامية بالخجل من مجرد ذكر مصطلحات بالية/ كالمقاومة والكرامة ومصلحة الأمة، فالإعلام العربي متخم اليوم (صباحا ومساء بلا انقطاع) بترديد عبارات تحطيم ما بقي من عزة المسلم والعربي، وتعويده على جلد ذاته لكونه هو الإنسان المخطئ دائما، وخصوصا عندما يتهم أميركا وإسرائيل بالمؤامرة ضده.
    مجموعة mbc، بما فيها قناة العربية، ليست مجرد إمبراطورية إعلامية أنشأها مستثمر سعودي في العشرينيات من عمره، وهي ليست مجرد شركة تجارية تسعى إلى الربح من خلال الإعلانات في سوق خليجية ناضجة، بل هي تنظيم إعلامي جبار، يدير أموالا طائلة يتم جنيها من شبكة علاقات سياسية معروفة.
    وإذا كانت العلاقات القذرة بين الإعلام والسياسة أمرا مألوفا، فإن الكارثة هي في جهل معظم المشاهدين العرب لحقيقة هذه المجموعة الأخطبوطية، وانسياقهم وراء ما تقدمه لهم من أحلام كاذبة من الرخاء الذي سينعمون به، بمجرد إرسال رسالة قصيرة لجني ملايين الريالات..
    ومن المؤسف حقا أن يغيب عن المشاهد العربي ما جرى في كواليس هذا الحفل المفضوح، وألا تُعرض على سمعه وبصره، إلا مواد يتم انتقاؤها بعناية لإقناعه بأن مجموعة mbc، وعلى رأسها قناة العربية، هي الناطق بلسانه، والحريص على موضوعية إطلاعه على ما يجري في هذا العالم.
    وأرى أن فضح هذه المجموعة والقائمين عليها، ممن يسهرون على الضحك على قضايا الأمة التي تم اختزالها فقط في لهاث الموارنة على السلطة في بلد عربي صغير، وفي الوقت الذي تعاني فيه غزة من أكبر كارثة إنسانية منذ عام 1967م، دون أي تطرق لاسمها طوال الحفل الساهر، ودون التعرض لما يجري في العراق من مجازر.. أرى أن فضح هؤلاء المتخمين بأموال القذارة هو واجب تقتضيه الكرامة الإنسانية قبل أي شيء آخر.. وبالدرجة الأولى، هو واجب الشعب السعودي الذي عرفناه أكثر الشعوب العربية التزاما بقضايا الإسلام والمسلمين، والذي لا ينبغي أن يبقى مكتوف الأيدي أمام توظيف أموال بلده في تدمير ثقافته ودينه وأخلاقه.
    مجلة العصر 8/3/2008م

    “آمون رع” المقدس يساند الحضري .. خطة التخلص من الشعب المصري .. !!

    05 مارس 2008

    كان المصريون في الزمن الغابر( 1) يتبركون بضم أسمائهم إلى أسماء إلهتهم الخاصة بهم .. فتسمع مثلا عن الملك “رَعْمِسِيس” الذي وضع اسم إلهه “رع” ملضوما في اسمه “مسيس”, و”آمونحُتِب” الذي وضع اسم إلهه “آمون” ملطوخا أيضا في اسمه “حتب”( 2)..
    مما يدل بشكل واضح على اتخاذ الملوك المصريين لأنفسهم ألقابا إلهية , تسهّل عليهم إخضاع الشعب لجبروتهم.. ومن يعترض على أحكامهم فهو الكافر العنيد الذي لا يجدي معه الترغيب بالجنة ولا الترهيب بالنار , ولا بُدّ إذاً من إيداعه بسجون “هامان العادلي”( 3), حتى يتعلم كيف يكون التعامل مع الآلهة !!
    برغم ما نحن فيه من الاهتمام بقضية إخواننا الذين تقتلهم حملات الإبادة الوحشية ومحارق الهولوكوست الإسرائيلية , إلا أن “رع” يترك كل ذلك ويصدر فرمانا إلهيا واجب النفاذ إلى مماليكه في اتحاد الكرة والنادي الأهلي( 4) بضرورة ترك حارس المرمى الهارب ليخوض تجربة الاحتراف..!!
    ليس هدفي الاعتراض ولا الموافقة على قرار “حسني رع” , فلست مهتما بالشؤون الكروية الآن .. لكن فقط أحببت أن أسجل الدهشة القوية من تصرفات هذا “الرع” في هذا التوقيت بالتحديد..
    فالرجل أدمن التنغيص على الشعب في كل المناسبات , ولم يترك مناسبة سياسية إلا ودمر كل إحساسهم بفرحة أو عِزّة أو كرامة تتحقق ولو بشكل لحظيّ ..
    فجماهير الأهلي والتي لا تقل عن 50 مليون بأي حال من الأحوال , كانت تتمنى أن يعاقب اللاعب بما يستحقه , بطريقة لا تقضي على موهبته كلاعب( 5) , وتقرّ الضوابط التي أرساها هذا النادي العريق , حتى لا يفكر غيره في ارتكاب نفس الحماقة .. لكن “رع” أصدر الفرمان وخلاص , وليهذ الأهلي وجماهيره إلى الجحيم ..
    لكن يبدو أن أن الأمر له أبعاد أخرى.. فَـ”رَعْ” ووزراؤه طيلة عقدين من الزمان (داخلين في التالت) بعد أن تعبوا من مساندة “الست كريمة مختار”, التي تدلَّى لسانها وهي تدعو لتحديد النسل وتنظيم الأسرة(6 ) , حتى يقل عدد المصريين ويستطيع “رع” أن ينفق عليهم(7 ) , وجدوا أن نداءاتها لم تجد أي صدى عند المصريين .. مع أن “الوِلِيَّة” عملت ما عليها , فكانت ترتدي بالطو الأطباء وتلبس السماعة الطبية في رقبتها وتتكلم بكل حِنِّية , ولم ترتكب حماقة المعلم رضا وتأمر المصريين أن يعطوا ظهورهم لحريمهم(8) .. مما جعل “رع” يفكر في تهجير المصريين إلى الخارج طوعيا!!
    فهو يعرف تماما أن الشعب المصري مجنون بالكرة ومن كوّرها( 9) , ومستعد أن يذهب خلف لاعبي الكرة المحبوبين إلى القمر , ومن ثَم جاءت الفكرة!!
    فلماذا لا يخرج الحضري من مصر , وبعده أبو تريكة( 10) , وبعده محمود الخطيب(11 )!! وغيرهم كثير ممن خرج عن تقاليد المعبد وانتزع محبة الناس , ونافس “رع” وولده “آمون” في توجه الجماهير إليه..
    بهذا القرار الحكيم , ستخرج جماهير الأهلي - وهم الأكثر في مصر – خلف الحضري وأبو تريكة والخطيب وعبد ربه , ويتوزعون في البلاد التي سيخرجون إليها , وعند عودتهم ستغلق الحدود فورا , فمصر كانت تتدرب على إغلاق الحدود وتحدي الضغوط في حصار غزة لهذا الغرض!! مما يضطرهم إما للعودة والحصول على جنسيات تلك الدول , أو البقاء على الحدود لاجئين لا يسأل فيهم كلب واحد( 12)..!!
    أرأيتم كيف يكون التخطيط !!
    —————————————

    1 الله لا يعوده زمن , لكنه عاد للأسف..
    2 أسامي معفنة خالص, مش عارف جايبينها منين ؟!!
    3 أيوه هو بعينه بغباوته !!
    4 الله يرحمه الخديوي توفيق الدقن لما قال: ما انتم إلا عبيد إحساننا !!
    5 والنبي يا جماعة الخير , متعرفوش دولة بتعمل عقود احتراف للشيوخ عندها؟, يمكن “رع” ياخد باله مني ولا حاجة !!
    6 يا كبدي يا ضنايا !!
    7 تحس انه بيصرف علينا من جيب أبوه , أو جيب أبو أحمد عز .. !!
    8 معلش بقى , القافية تحكم , وبعدين المعلم رضا مكانش يعرف إن المصريين أخدوا فترة يتغذوا على البهارسيا لما ميلاقوش أكل .. العبيط كان فاكرهم بيستحموا في الترعة !!
    9 بدأت أشعر إن عشق المصريين للكرة ناتج من تعاطفهم مع الكرة التي تتحمل الركل والشلاليط بوجه القدم وباطنها وكعبها , يعني كده من باب التضامن بسبب الاشتراك في الهمّ ومعاناة نفس المأساة , ولو مش مصدقني ابقى اتفرج على لعيبة الشرطة وهما بيشوطوا المواطنين برجليهم في أي مظاهرة .. !!
    10 أبو تريكة ده بالذات لازم يغور من البلد , أصله محبوب من الناس ولو رشح نفسه للرئاسة ضد “آمون الصغير” هيكستح آمون وأبوه وأمه وخالته وسلسلة جبال الأوليمب كلها (المنوفية في رواية أخرى).. أنا قلت المنوفية؟ يا نهار “مرعرع” .. !!
    11 بس ده اعتزل من زمان , يمشي ليه؟ .. يا عبيط الناس بتحبه , ده المقياس اللي على أساسه نحدد مين يقعد ومين يغور..!!
    12 يااااااااااه .. أخيرا يا رع هتخلص من المصريين!!

    الكأس لنا.. ولا كأس لكم!.. أُعلُ شيكابالا !!

    21 فبراير 2008

    بقلم - أحمد بحيري

    بقالي فترة متردد في كتابة النكشة دي..
    وكنت محتار.. يا ترى أقول اللي عندي في وسط الهوجة.. ولاّ استنى لما الموضوع يهدى و تروح السكرة.. و بعدين نتكلم؟..
    وأوقات كتير قلت لنفسي مالهوش لازمة أفتح الموضوع أساسا.. بانفخ في قربة مقطوعة!
    و لكن لما لقيت الموضوع مازال شاغل بالي.. قلت مابدهاش بقى.. اكتبه عشان اشيله من دماغي خالص و انساه..
    بداية..
    ماباحبش أنكد على الناس… ولا حابب اكون The Grinch Who stole Christmas.. ..
    مش عيب ان الناس تفرح..
    وماحدش أبدا من حقه يزايد على مشاعر الناس و يقولهم ايه اللي المفروض يفرحهم و ايه لأ..
    عشان كده باتضايق جدا سواء من بعض الدعاة و العلماء.. أو من بعض المثقفين اللي بيخاطبوا الناس في المواقف دي بأسلوب “جتكوا البلاوي مليتوا البلد!”..
    عشان كده الكلمتين دول ليسوا أكتر من فضفضة… باشارك الناس في أفكاري.. جايز اقدر افهم في يوم من الأيام..
    بدأت الحكاية زماااااان ..
    زماااااان قوي … في القرن الماضي كده يعني
    و أنا طفل صغير .. لفت انتباهي رياضة غريبة قوي بيمارسها الناس عموما..
    أول مرة شد انتباهي الموضوع ده كان في يوم يظهر كان فيه ماتش مهم .. ووالدي عازم أصحابه في البيت يتفرجوا على الماتش معاه..
    لحد هنا مافيش مشاكل.. انا صحيح مش فاهم هما بيتفرجوا على ايه بالظبط!.. بس قلت مش مشكلة..
    مسألة أذواق
    و فجأة يا حضرات.. أفاجأ بصوت صريخ و زعيق في الصالون – (موقع متابعة المباراة المهمة)-
    فاتخضت .. يظهر فيه مصيبة حصلت ..
    ولكن طبعا مافيش مصيبة ولا حاجة.. مجرد أعراض طبيعية لأي جلسة متابعة لمباراة كرة قدم..
    ووقتها مافهمتش أبدا ايه سر الحماس الرهيب ده اللي يخلي الواحديخرج عن شعوره و هو بيتابع لعبة رياضية على شاشة التلفزيون ..
    و دار الحوار ده بيني و بين والدي بعدها بكم يوم:
    - بابا بابا بابا بابا بابا ..
    - أيوة يا حبيبي..
    - هو انتو كنتو بتزعقوا ليه وانتو بتتفرجوا على الماتش؟
    - عشان لأهلي جاب جون يا حبيبي..
    - ايوة و فيها ايه يعني؟ هو ماجابش اجوان قبل كده؟
    - لأ يا حبيبي عشان احنا كنا فرحانين..
    - ايوة فرحانين ليه؟
    - عشان احنا أهلاوية يا حبيبي.. بنشجع الأهلي..
    - ليه يابابا؟
    - عشان بيلعب كويس يا حبيبي..
    - والزمالك بيلعب وِحِشْ يابابا؟
    - أيوة يا حبيبي مابيعرفوش يلعبوا..
    - طب اللي بيشجعوا الزمالك بيشجعوهم ليه؟ ليه مش كل الناس يشجعوا الأهلي عشان هو بيلعب كويس؟
    - مش عارف يا حبيبي.

    هنا الحوار وقف مؤقتا.
    وانا عمال افكر.. و احاول افهم.. ليه الزمالكاوية بيشجعوا الزمالك!!.. ايه اللي غاصبهم على كده؟؟
    فالحاجة الوحيدة اللي قدرت أوصلها.. إن ربنا بيعاقب الزمالكاوية عشان ذنوبهم.. فبيخليهم مابيلعبوش كويس ..
    مصداقا لقول أحد الصالحين: ((إني لأرى أثر المعصية في سلوك زوجتي ودابتي والفريق الذي أشجعه)) ..!!
    وهنا تفتق ذهني عن سؤال مهم جدا..
    - بابا بابا بابا بابا..
    - نعم يا حبيبي .. ايه تاني؟
    - هم الزمالكاوية هايدخلوا النار؟
    - ايه ده؟؟؟؟ .. بص يا حبيبي الديناصور اللي ماشي هناك ده؟ ..!!

    خلصت الحكاية هنا؟؟
    أبدا!..
    كما توقع والدي… ابنه عنده عاهة مستديمة .. و يبدو إنها نادرة جدا .. ربنا ابتلاه بابن “معاق كروياً” .. حكمتك يارب ..
    وتمر الأيام .. و تمر السنين .. وحوارات كتيرة زي الحوار ده بتتكرر معايا ..
    من كم شهر.. واقف في كوفي شوب لا بيا ولا عليا.. باحاسب الكاشير ..
    وإذا يا حضرات بميكروفون ضخم انبثقت عنه الأرض ولقيته في وشي..
    أبص بعيني .. ألاقي مذيع مبتسم و حاشر الميكروفون في بقي و جنبه الكاميرا مان ..
    خير اللهم اجعله خير
    - هلا فيك اخوي..
    - أهلا و سهلا
    لحد هنا مافيش مشاكل ..
    المشكلة في اللي جاي ..
    تخيلوا من بين أسئلة الدنيا كلها .. أخينا ينقي ويختار ويسألني عن إيه؟؟ .. شطار ..
    - أخوي.. وش تتوقع بتكون نتيجة مباراة الغد؟
    - هو فيه مباراة بكرة؟
    - إي.. نهائي بطولة كأس آسيا..
    - و فيه كاس آسيا كمان؟
    - إي.. غدا النهائي بين العراق والسعودية..وش تتوقع بتكون النتيجة؟
    - الحقيقة مش متابع الكورة ..
    - أجل مايخالف.. وش بتتوقع النتيجة؟
    - انت مُصِرّ يعني؟
    - إي طبعا.. ايش توقعاتك للنتيجة؟
    - توقعاتي إن في حالة فوز السعودية.. هاتمتلئ الشوارع بالمجانين بكرة وهايتوقف المرور .. عشان كده أنصح الناس يؤجلوا مشاويرهم لبعد بكرة .. وفي حالة فوز العراق .. هاتفضل برضه محتلة ..
    - تبا لك سائر اليوم …. طررررررراااااااااااااخ (صوت قفل عدسة الكاميرا) ..

    وتمر الشهور.. وفي نفس نفس المكان ..
    ماشي في أمان الله لا بيا ولا عليا ..
    وفجأة.. ألاقي كل اللي يعدي من جنبي وماهواش مصري.. يبصلي ويبتسم.. و يقول لي بانشكاح .. “مبروك” ..
    غريبة. هو النهاردة كم في الشهر بالظبط؟ ..
    صو صو صو صو ترلم ترلم.. صوصو صوصو صوصو ترلم ترلم < ------ (صوت الموبايل) ..
    - السلام عليكم ..
    - وعليكم السلام ورحمة الله .. مبروووووووووك ياباشا ..
    - الله يبارك فيك.. خير؟.. هو النهاردة عيد ميلادي ولاَّ حاجة؟ ..
    - مصر أخدت الكاس ياريس !!
    - لا حول ولا قوة إلا بالله .. مصر بتشرب خمرة يعني؟ ..
    - خمرة إيه .. كاس أفريقيا يابني..
    - يالهوي.. أفريقيا كلها بتشرب؟؟
    - يابني ارحمني .. مصر أخدت كاس بطولة أفريقيا!
    - يابني ركز.. أخدو الكاس والا البطولة؟؟
    - أخدو كاس البطولة..
    - ماشاء الله.. و ده غير الدوري؟
    - تبا لك سائر اليوم ... طررررراااااااخخخ.. تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت تيت .. (صوت التليفون بعد إغلاق الخط في وشي) ..

    ظاهرة هوس الكورة ..
    من الظواهر الطبيعية الغريبة اللي بحاول دايما افهمها ..
    وباعجز بسبب الإعاقة الكروية اللي عندي (وماحدش يتريق.. دي خلقة ربنا) ..
    دايما باحاول أفهم.. وبتنتهي محاولاتي بالفشل الذريع!!
    وسبب حيرتي وعجزي عن الفهم .. هو إني اتعودت إني ما اعملش حاجة إلا وأنا عارف كويس باعملها ليه.. وواخدلها نية .. و محدد الهدف منها ..
    عشان كده مش قادر افهم .. على أي أساس الواحد بيختار إنه يكون أهلاوي أو زملكاوي أو غزل محلاوي؟
    هل هي وراثة؟ ولاّ هو اختيار مبني على اقتناع ووضوح رؤية؟
    وهل يجوز شرعا إن الأهلاوي يتزملك في يوم من الأيام أو إن الزمالكاوي يتأهول؟
    كمان مش قادر افهم.. حتة سجود الشكر في المباريات ده !!
    الأصل ان الكرة رياضة.. ده بالنسبة للي بيلعبوا.. وترفيه.. بالنسبة للي بيشجعوا ..
    لو قلنا رياضة .. فهل الفريق الفايز استفاد على المستوى الصحي من ممارسة الرياضة أكتر من الفريق الغير فائز؟
    ولو قلنا ترفيه .. فما الفضل والمنة والنعمة الربانية في فوز فريق على آخر في "لعبة" الهدف منها الترفيه؟!!
    وهل يقابل سجود الشكر من الفريق الفائز بأن يتوب الفريق الخاسر إلى الله ويرجع عن خطاياه ويصلوا ركعتين بنية التوبة ؟
    ماهو لو الفوز في المباراة نعمة .. يبقى الخسارة ابتلاء وغضب من الله
    مش عارف ليه بدأت أحس ان الموضوع مابقاش لا رياضة ولا ترفيه أبدا .. بل أصبح دين .. أصبح عقيدة ..
    وكثيرا ما يسرح بي الخيال .. لأتخيل الحوار الذي دار بين فريقي المعركة بعد غزوة أُحُد بهذا الشكل ..
    - "أُعْلُ شيكابالا" .. الكأس لنا ولا كأس لكم ..
    ويرد عليهم الآخرون ..
    - مصابونا في الجنة ومصابوكم في النار ..

    وكله كوم .. وموضوع الفراعنة ده كوم تاني..
    أنا سمعت كلمة "الفراعنة" دي اليومين اللي فاتوا يمكن أكتر مما سمعتها طول عمري .. لما خلاص بقيت حاسس ان المنتخب المصري عبارة عن 11 مومياء ..!!
    زي ما قلت.. الموضوع لا يعدو مجرد تساؤلات عن عدم استيعاب حقيقي .. لا عن استنكار واستكبار على الآخرين ..
    فلا يحق لأحد محاكمة الآخرين بناءا على مشاعرهم .. فمن حق الناس أن يفرحوا .. ولا يحق لأحد أن يملي عليهم ما الذي يجب أن يفرحهم وما الذي يجب أن يحزنهم ..
    لكن الظاهرة في حد ذاتها مؤشر خطير في نظري .. عندما ننظر إلى الصورة الأكبر ..
    هذا المؤشر لا يكون علاجه أبدا بالنقد المستمر ونبرة التعالي على الناس واعتبارهم غوغاء .. مغيبين .. تافهين ..
    بل بالاعتراف بحقهم في أن يفرحوا .. ومشاركتهم فرحتهم .. وتصحيح الأطر التي ينظرون منها إلى الأمور , من خلال نفس المصدر الذي يمتعهم و يسعدهم ..
    وهذا ما بدأنا نراه في السنوات الأخيرة .. من نماذج للاعبي كرة القدم .. ليسوا مجرد نجوم .. بل نجوم أصحاب قضية .. أصحاب رسالة..
    مثل أبو تريكة.. ونادر السيد.. وهادي خشبة.. وغيرهم ..
    التوقيع ..
    هريدي ..
    من ذوي الاحتياجات الكروية الخاصة ..
    نقلا عن موقع “هريدي دوت كوم يا بووووووووي”
    http://www.haridy.com/ib/showthread.php?t=91118

    الغبي .. وكلام السابقين .. !!

    07 فبراير 2008

    في الوقت الذي يقفز فيه الأدعياء على مقاعد العلماء لا بد أن يكون هناك ألم وشكوى ..
    بل وربما جلطات دماغية وشلل بجميع أنواعه بسبب هذا القفز ..!!
    ولذلك رأيت أن أفعل كما كان يفعل الأقدمون .. فيسجلون مشاعرهم على دفاترهم ويسيّرونها على زوارق البلاغة في بحور الشعر .. بكلمات قليلة لا تكلف فيها , وأبيات قصيرة تنبئ عن الغرض ..

    يجادلني بمسألةٍ غبيٌّ .. ويأتيني بقول السابقينا
    فينقل عنهم التوكيدَ نفيا .. ويفهم قصدهم بالحَزْم لِينا!!
    ويحسب تركهم للشيء فتوى .. ويحملها إلى المتعلمينا
    حمار عِلمُه مَحْضُ اقتباسٍ .. فلا فَهمًا حَواهُ ولا يقينا
    لَأَهلُ العلم قد باتوا بسوء .. لِنَقْلِكَ يا أَشَرَّ الناقلينا

    من الشيخ طه إلى أبو تريكة .. !!

    03 فبراير 2008

    بقلم / د. ناجح إبراهيم
    كنت أعشق كرة القدم في صباي وشبابي وكنت ألعبها كل يوم مع معظم أشقائي الذين كانوا يعشقونها كذلك.. وكنت في صغرى في الستينات كشأن كل أبناء الصعيد نشجع النادي الأهلي..ولم نكن وقتها نسمع عن لاعب متدين سوى لاعب الأهلي طه إسماعيل.. وكان يطلق عليه دون غيره من اللاعبين وقتها الشيخ طه, ويقول المعلق: وأخذها الشيخ طه.. وقطعها الشيخ طه .. وهكذا اقترن اسمه من دون اللاعبين بلقب الشيخ؛ لأنه كان من القلائل الذين يواظبون على الصلاة والصيام والتدين في الستينات..
    حيث كان لا يؤم المساجد أى شاب إلا ما ندر.. ولا ترى في المساجد إلا الشيوخ والعجائز .. ولا ترى لحية أو نقابًا على الإطلاق لا في جامعة أو نادٍ أو شارع .. أما الحجاب فكان من النادر أن ترى طالبة في الجامعة محجبة ولو حجابًا بسيطًا.. فقد كان البعد عن الدين هو سمة عهد الستينات في مصر.
    وكانت شريحة الرياضة والفن وقتها من الشرائح التي يندر أن تقترب من الدين والتدين؛ إذ قد عُرِفتا وقتها بالعلاقات النسائية المشبوهة ونحو ذلك من الآفات والأهواء والأمراض التي تصيب أرباب الشهرة والأضواء، ولا يكاد ينجو منها أحد إلا من عصم الله وهم قليل.
    ثم مرت الأيام سراعًا وإذا بالجيل الذي ربته ثورة يوليو على مبادئ الاشتراكية أو إن شئت قلت على الشيوعية والبعد عن الدين .. إذا به ينحاز إلى الدين بقوة ويمثل نواة الحركة الإسلامية الفتية في السبعينيات .. وإذا بالفهم الإسلامي الصحيح يدخل كل بيت ..
    وإذا بدعاة الاشتراكية والناصرية المخلصين يتجهون إلى الإسلام والدين ويشعرون في قرارة أنفسهم أن الإسلام هو أهدى سبيلاً وأنجح طريقًا لإصلاح البلاد والعباد.. وللفلاح في الدنيا والآخرة .. وأن أوطاننا لن تتحرر إلا بالإسلام.. ولن تتقدم إلا بالأخلاق والفضائل والأمانة التي أمرت بها الأديان وعلى رأسها الإسلام العظيم.
    وتحول جيل الثورة الذي كانت تعده ثورة يوليو لينشر أفكارها إلى جيل السبعينات في الجامعات المصرية الذي حمل لواء الإسلام بقوة ومنهم على سبيل المثال لا الحصر د.عبد المنعم أبو الفتوح، عصام دربالة، د.حلمي الجزار، د.محيي الدين الظايط، د.عصام العريان، م.عاصم عبد الماجد/ م.أسامة حافظ، د.محمد إسماعيل المقدم، د.سعيد عبد العظيم ، م.حمدي عبد الرحمن د.أسامة عبد العظيم، د.محمود حب الله، د.أحمد فريد وغيرهم الكثير والكثير من دعاة الإسلام .. ودخل الإسلام كل بيت.. وكل شريحة..وكل مؤسسة حتى وصل أخيرًا إلى الفن والرياضة.
    وإذا بنا نرى محمود الخطيب ساحر الأهلي قديمًا يصبح مثالاً للشاب العفيف المتدين .. ويلتحي ليكتمل ظاهره مع باطنه .. ولولا ظروف قاهرة لاستمر على لحيته.
    وإذا بمحمود الجوهري المدرب الشهير يجعل جوائزه للاعبيه عند فوزهم على الفرق الأخرى الذهاب إلى العمرة .. سبحان الله! ..فبدلاً من السهرات الحمراء والمخدرات قديمًا .. أصبحت الطاعة والعبادة وزيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف هي جائزة الفوز .. سبحان مغير الأحوال .. وسبحان مقلب القلوب.
    إن هذا لدرس للدعاة في كل مكان ألا ييأسوا من دعوة أحد إلى الله.. وألا يقولوا هذا لن يهديه الله.. أو هلك الناس .. أو هلكت هذه الفئة .. أو فسدت هذه الطائفة .. كلا والله .. ففي هذا الشعب المصري خير كثير وحب عظيم للدين وميل فطرى إلى الإيمان والخير .. وكل طائفة تفسد وتنحرف إنما هو من تقصير الدعاة إلى الله في دعوتها وحثها على الخير وترغيبها فيه.
    وبالأمس قام اللاعب الخلوق المهذب محمد أبو تريكة بإظهار “فانِلَّته” الداخلية وعليها شعار “تعاطفًا مع أهل غزة” بالغة العربية والإنجليزية .. وقد قام بذلك في وقت يراه قرابة خمسين مليون متفرج في أنحاء العالم كله على الأقل .. وذلك بعد إحرازه الهدف الأول والثاني في مرمى السودان وتوفيقه توفيقًا عظيمًا أنقذ الفريق المصري من هزيمة محققة.
    والغريب والعجيب أن الاتحاد الإفريقي قد عاقب أبو تريكة بإنذاره .. وهذا ابتلاء بسيط من الله .. أرجو أن يرزقه الله خيره ويقيه شره وأن يكتبه له في ميزان حسناته.
    والأغرب من ذلك والأعجب أن بعض لاعبي أوروبا وإفريقيا من المسيحيين يرفعون شعارات دينية صليبية .. وقد فوتح بلاتر رئيس الفيفا في ذلك .. فقال: إنني سأعاقبهم ولكن لم يحدث شيء من ذلك.
    ولكن إذا تعاطف مسلم مع شعبه وبلده ووطنه وأمته الذين يموتون جوعا عوقب وبسرعة واعتبر تعاطفه ذلك شعارًا سياسيًا .. فما السياسة في ذلك؟!.
    هذا الموقف الرجولي الذي قام به اللاعب الخلوق المتدين محمد أبو تريكة لم يكن الموقف الوحيد الذي ينصر فيه دينه وعشيرته والمسلمين .. ولكن كان له موقف لا يقل عنه أهمية ورجولة .. حينما سجل هدف الفوز الذي جعل مصر تفوز بمسابقة كأس إفريقيا منذ سنوات .. إذا به يرفع فانلته ليظهر على فانلته الداخلية شعار “نحن فداك يا رسول الله” وكان أول لاعب يظهر هذا الشعار ثم تبعه عبد الظاهر السقا وعبد الحليم على وآخرون ممن تشجعوا لحمل هذه الأمانة وتبليغ العالم كله أن المسلمين سيدافعون عن رسولهم إلى آخر نفس في حياتهم ضد الرسوم الدانمركية البذيئة التي نالت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته.
    إن أهمية هذه اللحظة هي أن العالم كله يشاهد أبو تريكة في الحالتين .. ولعل إخلاص أبو تريكة لدينه وإسلامه ووطنه وأمته هو الذي يوفقه كل مرة لتأتيه اللحظة الجميلة والمناسبة لإظهار الخير الذي يدعو إليه ويريد تبليغه للناس.
    إن هذه الطريقة الجميلة والمبتكرة لتبليغ الحق والخير لهى أبلغ من كثير من الكلمات والخطب والمواعظ والبيانات .. وفى كل مرة تصل رسالة أبو تريكة إلى القلوب والنفوس لبساطة هذا اللاعب وإخلاصه وتجرده عن المتاجرة بهذه الشعارات أو طلب الشهرة بها أو التسميع بها أو طلب “الشو” الإعلامي بها .. فما كان من القلب وصل إلى القلوب..وما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
    وقد كنت في الحج هذا العام مرافقًا لوالدتي .. وكنت أسكن في إحدى الفنادق بالمدينة المنورة .. وكان أبو تريكة ووالدته يحجان معنا وكان يعيش في فندق مجاور- وإن لم أشرف بلقائهما-.. وكان معنا في الطائرة المغادرة من القاهرة إلى جدة في رحلة الحج اللاعب الشهير المهذب هادي خشبة وأسرته .. وكذلك وائل رياض وأسرته .. فشعرت بالسعادة لأنه كان لا يحج من أهل الرياضة قديمًا إلا من بلغ أرذل العمر، وانحسرت عنه الأضواء والشهرة.
    ثم وجدتهما بين الحجاج في مطار جدة مع مجموعة من لاعبي الكرة المصرية من أندية مختلفة ولكنى لا أعرفهم .. فحمدت الله أن هذا الشباب يعرف ربه في سن الشباب، فرغم الأضواء والشهرة والدنيا .. إلا أنهم تجردوا عن كل ذلك ولبسوا ملابس الإحرام عابدين ذاكرين خاشعين تاركين زينة الدنيا ومتاعها.
    وقد ذكرني هذا الموقف الجميل بموقف ربيع ياسين ذلك الرجل الفاضل حينما كان لاعبًا في منتخب مصر وكان في عمرة مع الفريق القومي المصري .. وجاء أحد المصورين الصحفيين ليصوره فقال له: “لا داعي فهذا ليس زمان ولا مكان الفخر ولا الإعلام .. هذا مكان التجرد لله وحده” .. فأعجبني منطقه في الإخلاص لله.
    فتحية إلى كل مخلص لدينه وإسلامه ووطنه وأمته وإخوانه في كل مكان .. وتحية إلى “أبو تريكة” الذي لم تشغله الشهرة والنجومية عن إخوانه الذين يقتلون .. وتدمر بيوتهم .. ويزعزع أمانهم كل يوم تحت قصف الطائرات والدبابات الإسرائيلية .. ويكادون يموتون جوعًا وبردًا .. ويكاد يموت مرضاهم من نقص الدواء وانقطاع الكهرباء في المستشفيات الفلسطينية.
    تحية له على هذه الرسالة الإعلامية الإسلامية الجميلة التي تفوق أي رسالة أخرى؛ لأنها وصلت إلى الملايين من كل الجنسيات والشعوب المسلمة وغير المسلمة، لا سيما أنها كتبت بالعربية والإنجليزية ونشرت في كل الصحف والقنوات الفضائية ومواقع النت.
    وأسأل الله أن يجزي هذه الثُّلة الصالحة من أبناء الرياضة المصرية مزيدًا من الخير والتوفيق .. وآه ثم آه ثم آه .. لو صنع شبابنا عامة ونجوم المجتمع خاصة مثلما فعل أبو تريكة .. واستغلوا جاههم وشهرتهم ونجوميتهم في صنع الخير وبذل المعروف والإحسان إلى الخلق .. كلٌ حسب موقعه وطاقته وقدرته .. لو فعلوا ذلك لصار لنا شأن آخر.
    موقع الإسلام اليوم 31/1/2003م

    سلِّمونا حجازي كما سلَّمتم النصارى وفاء قسطنطين .. !!

    28 يناير 2008

    عندما قامت المهندسة وفاء قسطنطين زوجة أحد كبار القساوسة بإعلان إسلامها , قامت قائمة النصارى في مصر ولم تهدأ , ودخل البابا شنودة معتكفه الذي يلوي به ذراع “أتخن رأس في مصر” , ليجبره على اتخاذ قرارات يريدها البابا ومن ورائه النصارى في مصر..
    وقام النصارى بتنظيم احتجاجات واسعة وإضرابات كبيرة ضد إسلام وفاء قسطنطين , وطالبوا جميعا باستعادتها , وتعالت أصواتهم في المظاهرات وهم ينادون أمريكا لتخلصهم مما يقبعون تحته من التنكيل والترويع .. فانكشف في تلك الواقعة أن كثيرين جدا من النصارى في مصر لهم اتصالات مباشرة مع الأمريكان , وأنهم يعتبرون أمريكا حامي حماهم وملاذهم ضد المصريين المسلمين !!
    واتضح ذلك جليا في رفض أمريكا منذ عدة أسابيع تسليم أحد النصارى الهاربين إليها من مصر , بعد أن قتل مسلما مع سبق الإصرار والترصد , رغم صدور حكم بحقه من محكمة مدنية في قضية جنائية ..
    وربما ينبئ ذلك كله عن وجود طابور نصراني خامس في مصر , يشمل قطاعا كبيرا من المغرر بهم والمضحوك على عقولهم من النصارى المصريين .. فلا زلت أذكر صبيحة ضرب برجي التجارة في أمريكا كيف كان الأمر باديا على وجوه جيراني ومن أتعامل معهم من النصارى , فقد بدا العبوس والحزن واضحا في عيونهم وكأن القاهرة قد أصابها صاروخ أرض أرض سقط بسببه الهرم الأكبر .. ونفس الوجوه لم أر شيئا عليها في صبيحة أي يوم تضرب فيه بلد مسلم بأبشع القنابل ..
    واعتذر للقراء عن استطرادي الطويل في هذه الجزئية , لكنها كانت في صدري منذ فترة بسبب ما أراه من خيوط خفية لتلك الأمور , وانتظر دليلا واقعيا ملموسا حتى أبوح بها في مقالة أو كتاب.
    نعود لموضوعنا ..
    كانت النتيجة بعد تلك الوقفات والصيحات المنادية لأمريكا واعتكاف البابا في مكانه - ليتمكن من استعمال الهاتف الدولي دون إزعاج من أحد فيما يبدو - , نتج عن ذلك كله أن تدخل “أتخن رأس في مصر” فعلا وقام بتسليم السيدة وفاء إلى الكنيسة , مع أن الكنيسة ليست هيئة معنية بتلك الشؤون ومع أن القرار ضد أعراف الحرية والديمقراطية والملوخية وكل أصناف الأعراف والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان .
    وكان الدافع لهذا التصرف المشين لأبعد الحدود , هو الحفاظ – في الظاهر - على لُحمة الوحدة الوطنية بين المصريين , وعدم السماح لأي منغصات أن تعكر العلاقات بين نسيج الأمة , وفي الحقيقة هو الاستجابة لطلب السفير الأمريكي بعد اتصالات البابا من معتكفه المليء بالخطوط الدولية المتصلة بواشنطن مباشرة !!!
    نحن الآن نطالب المسلمين في مصر بالاعتصام والاحتجاج لتسليم الفتى المتنصّر إلى أهله , كما فعلت الحكومة والرئيس المصري مع وفاء قسطنطين .. أم أن المسلمين في مصر أرخص من النصارى وأذل ؟
    صحيح أن الأجواء مشحونة الآن بسبب ما يحدث في غزة , وصحيح أن قضية “كلب” مثل محمد حجازي لا ترقى لقضية إخواننا المجاهدين في غزة , لكن لا ينبغي أن نهدر كرامتنا بتلك الطريقة المفجعة , ولا بد من الاحتجاج وتسلّم الولد قبل صدور حكم قضائي بشأن القضية المرفوعة لذلك.
    ألا يعتصم شيخ الأزهر أو حتى يهاتف حبيبه رئيس الجمهورية؟ ألا يتحرك فضيلة المفتي ويصدر فتوى تحرّم تسليمه للنصارى؟ ..
    أليس هناك من يتكلم ليحصل على أدنى الحقوق ؟ , ولو يكون بمقايضة هذا الكلب بمسلمة تقبع الآن في سجون دير وادي النطرون ولا يعلم أحد مصيرها وما تلاقيه من العذاب إلا الله ..

    ” أَلْـبِـشْـبِـيشِـي “.. أزمة حوار .. بين التخصص والجهل المركب .. !!

    22 يناير 2008

    أعرف أنه أغرب عنوان كتبته في حياتي لموضوع أطرحه .. لكن ما حيلتي والموضوع بالفعل غريب جدا , وغرابته تكمن في أنه لا بد من وقوعه , مهما حاولنا علاج أعراض المرض المتغلغل فيه .. !!
    ودعوني أدخل إلى الموضوع مباشرة بدون ثرثرة زائدة , وعلى طريقة محمد صبحي في شخصية عم أيوب ( إوحُوا بقَى يا كَمَاحَة ) ..
    كان الطالب ( أَلْبِشْبِيشِي ) يقاسي الأَمَرّين عندما يشرح لأساتذته سبب كتابة همزة القطع في اسمه , الذي كان ينبغي أن يكون ( البشبيشي ) بدون تلك الهمزة. ( أتمنى أن يعرّفني أحد الأفاضل ما هما هذان الأمرّان اللذان ينغصان على كل الناس , فانا إلى الآن لم أتشرف بمعرفة شخصيهما الكريمين , وإن كنت قاسيتهما كثرا كبقية الناس ) ..
    كان سبب مأساة ( ألبشبيشي ) هو ما وقع عند ولادته من الأحداث , تعالوا نعرف ماذا حدث ..

    توجه الأستاذ محمد الأَصْمَعِيّ - مدرس اللغة العربية - إلى مكتب السِّجِلِّ المَدَنِيِّ , ليسجل طفله الجديد في سجلات مواليد مصر المحروسة ..
    وإذا به يجد السيد الموظف المحترم كاتب شهادات الميلاد يستقبله بوجه يشكو منه العُبوس , ويسأله سؤال البخيل العنيد لمسكينٍ جاء يطلب منه صدقة , قائلا:
    - نعم ؟
    - نظر إليه الأستاذ الأصمعي متعجبا من نظرته المستفزة , ومحاولا أن يجبر قسمات وجهه على الابتسام , قائلا: أريد تقييد ابني في سجلات المواليد ..
    - لم يفارق الإحساسُ بالقرف نظرةَ الموظف , الذي أجاب على الفور: أدري أنك تريد تسجيل مولودك , لم تأت بجديد , هذا فقط ما تريد؟ !!!!!
    - مما زاد تعجب الأستاذ محمد الأصمعي وجعل مُقْلَتَيْه تشتبكان - احْوِلاَلاً (والأصح حَوَلاً وحَوَلاناً , لكن المقام يقتضي ذلك على ما سترون ) - من عدم فهمه لمدلول عبارات الموظف .. فقال له: ألم تسألني يا سيدي أول دخولي عليك وقد قلت لي مُسْتَفْهِماً (نعم؟) ؟ , فها أنا قد رددتُ على سؤالك أني أريد تقييد ابني في سجل المواليد .. وأظن هذا مكانَ تسجيل المواليد , فسؤالك هو الغريب وليست إجابتي .. إذْ كيف تستفهِم عن الشيء المتوقّع المعهود المعروف المتبادر إلى الذهن , وكيف تتوقع مني أن أريد غير هذا الأمر؟
    - فتح الموظف فاه كالمعتوه , وانفجر بركان من الغباء عَبْرَ نظرته إلى الأستاذ الأصمعي قائلا: هاه؟ , ماذا قلت؟ , ما معنى كل ما تقوله هذا؟
    - مما جعل الأستاذ الأصمعي يردد في نفسه ( يبدو أني قد أوقعت نفسي في ورطة محاورة رجل لا يفهم شيئا ولم يدرس اللغة العربية في حياته ) , فأراد أن يتدارك الموقف وقال سريعا: أرجوك يا سيدي , أنا لا وقت لدي , فقط قم بتقييد ابني في السجلات حتى أنصرف لشؤوني , واعتبرني لم أقل شيئا , فهذه بعض المباحث الدقيقة في اللغة العربية ولا تشغل بالك بها , فليس فيها كبير فائدة !!
    - انتفض الموظف واستشاط غضبا , وأخذ يَتَقَصَّعُ وصوته يعصف كالرعد ..(لا أدري كيف يجتمع التقصع مع الصوت العاصف , لكن مع مثل هذا الموظف كل شيء ممكن , ولا عزاء للقواعد ولا الثوابت ولا القَطْعِيَّات ) : هكذا؟ !! .. تتكلم معي وتريدني أن أتجاهل ردك عليّ , وتظن نفسك عالما باللغة العربية .. لعلمك , لقد كنتُ أول زملائي في الإعدادية , ولولا أن أبي أخرجني من المدرسة لتسلُّمِ الوظيفة لكنتُ الآن أكثر ((( عروبةً !! ))) من أبي الأسود الدُّقَلِيّ الذي وضع علم النحو .. وقد اجتهدتُ وعلمت نفسي أفضل مما يتعلم أبناء المدارس المتحذلقون , حتى لا يدخل عليَّ أحدهم ليستعرض أمامي قدراته العلمية !!
    ( طبعا لا علاقة للعروبة ولا العُجْمة بما يتحدثان فيه , لكن الجهل يفعل أكثر من ذلك عندما يفتقد الإنسان التخصص وتحتوي ضلوعه على المكابرة والتعالُم والتفلسف )
    - ارتعدت مفاصل الأستاذ الأصمعي وهو يسمع كلامه , فقال له: تقول لكنتَ أكثر عروبة مِمّن؟.
    - فرد عليه الموظف وهو يتخيل أن قرعات طبول قلبه يسمعها الثقلان , خوفا من أن يكون قد أخطأ في جملة أو لفظ وانكشف جهله , فيظهر أمام الرجل بحجمه الحقيقي .. قال: أبو الأسود الدُّقَلِيّ.
    - التقى حاجبا الأستاذ الأصمعي وكاد الدخان يخرج من أذنيه غيظا وكمدا من هذا الجاهل , فقال له: اسمه أبو الأسود الدُّؤَلِيّ بالهمزة على الواو , وليس الدقلي بالقاف.
    - ضحك الموظف من فرط جهل الأستاذ الأصمعي ( في ظنه طبعا ) واطمأن إلى أنه لم يخطئ , فقال ونبرة السخرية بادية في كلامه: هذا على مذهبكم يا أهل القاهرة ؟ حيث تنطقون القاف الفصيحة همزة بلهجتكم العامية !!
    - أوشك الأستاذ الأصمعي في هذه اللحظة على البكاء وهو يقول مستنكِرا: ما شاء الله , واكتشفت هذا بذكائك الحاد وحمَلْتَه على نطق أهل القاهرة لحرف القاف الفصيحة همزة ؟ , أنا أعتذر عن كل كلمة أغضبتُك فيها , فيبدو أنك أكثر عروبة من سيبويه نفسه وليس الدقلي فقط يا سيدي .
    وساعتها كان الأستاذ الأصمعي يردد في نفسه قائلا: الحمد لله أني لم أستعذ أمامه من السوء , وإلا لخفت أن يظن أني أستعيذ من السوق !!, حسبي الله ونعم الوكيل..
    ثم عاد يكلمه مرة أخرى قائلا: ولقد تذكرت اعتذار شاعر جاهل حاور أحد الفحول في علم من العلوم ثم اعتذر له بأبيات قال فيها:

    بِفطنتك الأَمثال في مصر تُضرَبُ ….. وَرَأيك أََرْقَى في الأُمور وَأَصوَبُ
    وَأَنتَ رِياضٌ واحدُ العَصر في الذَكا ….. وَنجمُك في أُفق الفَراسة كَوكَب
    وَعَنك عَليّ قَد رَوى وَهُوَ صادقٌ ….. حَديثاً بِهِ شَمس المَعارف تُحجَب
    حَديثاً رَواهُ اللَيث عَنكَ كَما جَرى ….. وَوافقه الراوي وَذَلِكَ أَعجَب (يقصد نفسه بالراوي)
    وَما كانَ ظَني إذْ أحاورك أَنَّني ….. أُقاسُ بِمَن في جَهلِهِ يَتَقَلَّب
    وَيا لَيتَهُ جَهلٌ بَسيط بِهِ نَشا ….. وَلَكنهُ جَهلٌ جَسيمٌ مركَّب

    ( طبعا هذه الأبيات تصف الموظف بكل صراحة أنه مصاب بالجهل المركب .. وصاحبنا لا يدري , بل ويحسبه مدحا بالفعل ) !!
    - مما جعل الموظف يبتسم لأول مرة في حياته على ما يبدو , ( فالابتسامة غير متماشية مع تلك الملامح أبدا ) , قال: أخجلتم تواضعنا يا سيدي , والله ما كنت أريد أن يتطور الحوار إلى هذا الحد , لكنك كنت شجاعا في اعترافك بالحق.!!!!
    - ابتلع الأستاذ الأصمعي الإهانة وكتم غيظه بصعوبة وهو يقول: لا عليك , هل أستطيع الآن أن أقيد اسم ابني؟ أرجوك لقد تأخرت كثيرا ..
    - رد عليه الموظف وهو يضغط على نفس الوتر : كما تشاء يا سيدي وبأقصى سرعة , فأنت أول إنسان رأيته يعترف بالحق .
    - مما جعل الأستاذ الأصمعي يبتسم ابتسامة صفراء على غير عادته ويقنع نفسه بمبدأ ( إن كان لك حاجة عند الكلب ) .. فقال: جزاك الله ما أنت أهله على سعة صدرك معي وعفوك عن جهلي يا سيدي , هل لك أن تبدأ الآن؟ , فوالله قد تأخرت كثيرا عن بعض المشاغل .
    - رد الموظف: طبعا طبعا , ماذا تريد أن تسميه؟
    - قال الأستاذ الأصمعي وشريط ذكريات المجد يمر أمام عينيه , ويملأ هواء الفخر صدره: على اسم جدي الأكبر , العالم الأزهري الشيخ البشبيشي.
    - رد عليه قائلا : ألبشبيشي؟
    - فقال الأصمعي : نعم البشبيشي.
    ( طبعا لم ينتبه الأستاذ الأصمعي هو يخاطب ذلك العبقري أن هذا الاسم ينطق بهمزة قطع في أوله عندما يبدأ الكلام به ).
    - كرر الموظف سؤاله: ألبشبيشي؟
    - وكرر الأستاذ الأصمعي الإجابة وهو يتعجب , ولا يعرف ما الداعي لتكرار السؤال , فقال: البشبيشي.
    وطبعا وقع الحدث كالصاعقة على الأستاذ الأصمعي - رحمه الله - ولم يتحمل خطأ الموظف ومات بسكتة قلبية من فرط جهله , بعد علمه أن شهادة الميلاد لا يجوز فيها تغيير الأخطاء الإملائية !!
    مما يعني أن ابنه سيعيش طيلة عمره بهمزة القطع هذه بسبب أن موظفا جاهلا أخطأ في الكتابة , وأنه لم ينتبه إلى فهمه الخاطئ بسبب كونه أراد إنهاء هذا الأمر سريعا قبل ارتفاع ضغطه .. رحمه الله ..

    هذه مأساة البشبيشي , أوقعه فيها موظف جاهل , وأب متخصص .. !!
    وهو لا يدري .. أيدعو على الموظف الجاهل الذي جعله يعيش عمره باسم غريب معقد؟ ام على أبيه الذي لم ينتبه أنه يحاور مريضا بالجهل المركب فلم ينتبه بالتالي لما قد ينتج عنه حواره وكلامه؟!!

    هذا الحدث يتكرر كل يوم , بل كل ساعة , بل كل لحظة ..
    يتكرر بتكرار الحوار بين متخصص في علم من العلوم وبين جاهل متفلسف لا يعترف بجهله..
    والمأساة الكبرى عندما يكون الحوار في مسألة دقيقة , وأمام الناس , وهناك من يسمع أو يقرأ هذا الحوار ..

    فينتهي الأمر بارتفاع ضغط المتخصص , ثم باعتزاله الحوارات أصلا .. وبتزايد جهل الجاهل ونمّو خاصية التراكب فيه فيكون وضعه أشد تعقيدا , إذ أنه يعتبر نفسه على حق وقد قهر المحاورين !!
    كما أن قطاعا كبير جدا ممن شهدوا الحوار بينهما – سواء في مناظرة مرئية أو مسموعة أو على صفحات جريدة أو منتدى أو غير ذلك من ميادين الحوار – تحولوا إلى (( ألبشبيشي )) , فعاشوا مأساة الحيرة بين تصديق هذا أو ذاك.

    وهي مأساة لن تنتهي أبدا طالما وجد الإنسان على سطح الأرض ..

    ولا أدري لماذا كتبتُ هذا الموضوع , أظن أن جهلي كان مركبا عندما كتبت عن هذا الأمر وأنا أعرف أنه لن ينتهي .. لكن ربما استطعت بما فات من الكلمات أن أسلط الضوء على المشكلة , وأن أشرح للقراء الأفاضل وأوضح لهم سبب إحجام الكثيرين من المتخصصين عن الرد أو المناقشة مع من لا يملكون من العلم شيئا !!

    =============
    1- الجهل البسيط , أو الجهل العادي: هو أن يكون الإنسان لا يعرف ويدرك أنه لا يعرف ويتعامل على هذا الأساس فلا يدعي لنفسه العلم فيه أو يدخل مع غيره في مناقشات ومجادلات.
    الجهل المُرَكَّب: هو أن يكون الإنسان لا يعرف , ويظن أنه يعرف. فأصبحت حالته مركبة من عدم المعرفة , وعدم إحساسه بعدم المعرفة.
    ولا شك أنه مرض نسأل الله أن يعافينا منه
    2- الأبيات الشعرية السابقة للشاعر صالح مجدي .. توفي سنة ( 1298هـ - 1881م ) ..
    كتبها وهو يحاور أحد المصابين بالجهل المركب ويعترف بعجزه عن الإكمال معه , ويسخر منه بإيهامه أنه عالم وأن عَلِيّاً بن أبي طالب رضي الله عنه كان يروي العلم عنه وكذلك الإمام الليث بن سعد وأن الشاعر يشهد على ذلك !! .. وطبعا لا يخفى أن هذا مستحيل , لكن ما باليد حيلة عند محاورة هؤلاء الناس ..

    إلى كل عالم وطالب علم أزهري : لماذا اختفى المنهج العلمي الأزهري الأصيل ؟ وكيف يعود من جديد ؟

    19 يناير 2008

    بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن تبعه ووالاه إلى اليوم الذي فيه نلقى الله ..
    وبعد ..
    فالقصد من هذا المقال تنبيه الأزهريين ليفيقوا ويعرفوا حقيقة دورهم ويحيوا دور الأزهر من جديد , وليس غرضه التكلم عن غير الأزهريين أو التشهير بهم أو السخرية منهم..
    كما أنه يتعلق بالجانب المعني بنشر وتعليم العلوم الشرعية , ولا يتطرق إلى أمور أخرى كالدور السياسي أو الاجتماعي للأزهر , فقد تناولتها في مقالات سابقة.
    هو فقط صيحة تنبيه ..
    (1)
    لا شك أن كل من يهتم بأمر تعليم العلوم الشرعية وتبسيطها للعامة من الناس وللراغبين فيها من طلبة العلم يلاحظ انحسار دور الأزهر الذي كان يقوم به قديما في هذا المجال .. ويشعر بمدى الخطورة التي تحيق بفكر الأمة من جراء هذا الانحسار , حيث يسلم الشباب وطلبة العلم والعوام عقولهم لأناس غير مؤهلين لتعليمهم ..
    فمن النادر الآن – إن لم يكن مستحيلا - أن تجد مسجدا أو بيتا تقام فيه حلقة أزهرية يُدَرّسُ فيها فن من فنون العلم الشرعي – بعيدا عن السلك النظامي التعليمي الرسمي المؤسسي - , اللهم إلا الجامع الأزهر وبعض المساجد العتيقة في القاهرة وبعض المدن , ولا يتجاوز عدد هذه المساجد والحلقات أصابع اليدين ..
    ويرى على الجهة الأخرى كيف أن تيارات جديدة – ليس لها رصيد الأزهر ومنهجه في العلم - تبوأت موقع الصدارة الآن في هذا المجال , وانتشرت أفكارها بين الناس عن طريق المطبوعات والأشرطة والحلقات العلمية ..
    وبسبب هذا انقلبت موازين المعرفة في كثير من العلوم الشرعية .. فتَحَوَّل المُجْمَعُ عليه في العصور السابقة إلى محل خلاف في عصرنا الحاضر , والقضايا والمسائل الفقهية والعقدية المحسومة منذ أزمانٍ طُرِحَتْ من جديد للمناقشة ابتداءً من نقطة الصفر !!
    هذا مع كثرة علماء الأزهر وسعة علمهم واطلاعهم واتزان منهجهم وشدة إتقانهم لفنون علوم الشريعة ..
    فلماذا انحسر دورهم - وبالتالي دور الأزهر – في عصرنا الحاضر في تعليم الناس وتوعيتهم بأمور دينهم ودنياهم ؟ وكيف استطاع غيرهم أن يصل إلى بيوت الناس وعقولهم وقلوبهم ؟ وكيف اقتدر على الاستئثار بكثير منهم وإبعادهم عن طريقة الأزهر ومنهجيته في العلوم؟
    (2)
    أنا لا أتهم غير الأزهريين الذين يقومون بنشر وتعليم العلوم الشرعية في نواياهم , لكن العتب فقط على المنهج , لذلك لا أحب أن أذكر أسبابا خارجة عن الأزهريين أنفسهم , فأنا أعرف أن وراء الآخرين – رغم حسن نواياهم - من يساندهم بالمال ويروّج منهجهم من أجل أهداف سياسية وفكرية معينة ..
    وكل ذلك مهما بلغ , لا يقوى أبدا على مواجهة المنهج الأزهري إذا قام الأزهريون بواجبهم.
    فالمشكلة الكبرى التي تواجه الشباب الصغير أو الرجل الكبير الذي يريد أن يتعلم الفقه والحديث والأصول , أنه لا يجد من الأزهريين من يرشده أو يعلمه بطريقة منهجية منظمة , وإذا سأل الإمام الأزهري الذي يصلي خلفه في المسجد عن طريقة لطلب العلم يخبره أنه سيجيبه عن أسئلته التي يريد إجابتها , وهو بذلك لا يعلمه بطريقة منهجية , فقط يجيب عن تساؤلات .
    وبالطبع هذا لا يكفي إنسانا متعطشا للاستزادة .. لأنه يريد من يعلّمه ويفهمه , ويتابع تقدمه في العلم , ويرسم له الطريق إلى الاستزادة , ويوجه تحركاته , ويقيّم تجربته , ويُوقِفُه على ما وصل إليه , وكيف يترقى منه إلى غيره .. يريد أن يعرف المسائل والأبواب والمصطلحات التي يسمعها عنها والتي لا يسمعها.
    وليس ذنبه – في ظل غياب الأزهريين وطريقتهم المنهجية الصحيحة - أن يجد حلقة في مسجد تدرس الحديث أو الفقه أو الأصول فيجلس فيها , فهو يشعر أنه وجد بغيته وأدرك مقصده , وبالتالي ينتظم معهم معتقدا أن هذا المنهج هو المنهج الصحيح.
    (3)
    ولعلاج هذا المرض والتصدي لهذه المصيبة الكبرى التي ألمّت بالعقلية الإسلامية وبالفكر الإسلامي وتوشك أن تقضي عليه , لا بد من الإشارة إلى عدة أمور ولو على وجه السرعة:
    - أغلب العلماء الأزهريين حصروا أنفسهم في الطريقة النظامية لتعليم العلم الشرعي , واكتفوا بها عن غيرها , فيعلمون الطلاب من خلال المعاهد والكليات الأزهرية فقط , وإذا خرجوا بنشاطهم عن هذا النطاق فلا يفعلون إلا عن طريق تصاريح من الدولة حتى لا يتعرضون للمساءلة !!
    في الوقت الذي يقوم فيه غيرهم باقتطاع جزء من وقته لهذه المهمة , ولا ينتظر عليها أجرا من أحد , ولا يخاف مساءلةً من جراء قيامه بها ..
    ولعل هذا هو سبب انتشار الأفكار الأخرى , فعندما يكثر الطلاب حول أحد الناس تتجه إليه أنظار المؤسسات الإعلامية المعنية , مِن دُور الطباعة وشركات الأشرطة , فيحقق المنهج انتشارا كبيرا بذلك.
    إذن لا بد أن يعود العلماء الأزهريون إلى المساجد والحلقات من جديد , ولا بد أن يقرّبوا العلم للناس ويبذلوه لهم ويبحثون عنهم ليعطوهم إياه ولا ينتظروا مجيئهم إليهم , فنحن لسنا في العصر القديم الذي اشترط فيه الإمام مالك حضور أبناء الرشيد إليه , بل عصرنا عصر الاستسهال .
    حيث يسأل المرء نفسه .. لماذا أتعب في الوصول إلى الجامع الأزهر لتلقي العلم بينما هو متاح وسهل عن طريق فلان وفلان القابعين في المسجد ليل نهار وقد أوقفوا أنفسهم على هذا الأمر؟..
    لا ينبغي أن نبتعد عن الناس أكثر من ذلك , فالناس يريدون أن يتعلموا لكن الأمر يشتبه عليهم , ويظنون أن العلم الذي يتلقونه على يد الأزهريين هو بعينه العلم الذي سيتلقونه على يد غيرهم.
    وهذه المشكلة يواجهها البعيدون عن التعليم الأزهري النظامي - وإن كان الطلاب الآن حلّت بهم مأساة بعد نكسة إلغاء تدريس المذاهب الفقهية وكتب التراث في التعليم الإعدادي والثانوي - , فما ذنب هؤلاء أن آباءهم توجهوا بهم في صغرهم إلى التعليم غير الأزهري ؟ , وماذا يفعلون إذا أرادوا الالتحاق بركب العلم والعلماء ؟.
    لكن إذا عاد الأزهريون إلى الناس سيكثر الطلاب حولهم , وستتهافت عليهم المؤسسات التي تنشر علومهم ومحاضراتهم وفتاويهم ورسائلهم , فكثير من تلك المؤسسات يهمها المكسب المادي قبل كل شيء , ولو وجدت الناس ملتفين حول الأزهريين لن تتردد في التقرب منهم ونشر أفكارهم.
    (4)
    تبقى النقطة المتعلقة بتنظيم هذا العمل وكيف يتم ..
    أرى أن هناك صحوة جديدة يشهدها المنهج الأزهري رغم ما سبق أن قلته , فالحلقات العلمية قد عادت والحمد لله في الجامع الأزهر وعدد من المساجد بتوفيق من الله وبجهود علماء فضلاء أهمهم أمر الأمة وما تمر به من أزمة فكرية وعلمية , والأمل فيهم كبير إن شاء الله تعالى , لكن هذا غير كاف في العودة من جديد , ولا في التصدي لهذا السرطان الفكري المنتشر بقوة .
    فهذه الحلقات لا تحوي كل العلماء الذي تلقوا العلم بتلك الطريقة المضمونة المشهود لها منذ عصور السلف الصالح – أعني طريقة الحلقات ومنح الإجازات التي تكفل اتصال الأسانيد بين المتلقين وبين المؤلفين القدامى في علوم الشرع - , ومن هؤلاء العلماء عدد كبير منتشر في أقاليم مصر , ولكنهم لا يقومون بتعليم الناس بتلك الطريقة خوفا من المساءلة أو التضييق الأمني عليهم أو انشغالا بأمور المعاش , ومنهم من سافر إلى الخارج ضربا في الأرض وسعيا لطلب الرزق .. فكل هؤلاء يمكن الاستفادة منهم في إحياء دور الأزهر ونشر العلم الصحيح من جديد ..
    وأظن الطريقة المثلى هي أن كل عالم أو طالب علم درس على الطريقة الأزهرية يقوم بتعليم الناس في بيته في البداية - أو مسجده إن كان يستطيع - , ويعلن ذلك في المجالس التي تجمع الناس, وأن يقوم العلماء أصحاب النفوذ أو المناصب الرفيعة في الدولة بحماية هؤلاء , وبعرض هذه الفكرة على السلطات حتى لا تضيق عليهم , وحتى ينتشر الفكر الوسطي الصحيح وينكمش الفكر الخاطئ الناتج عن الحلقات العشوائية , فقط يكون التضييق والمساءلة على من لا يملك إجازة علمية موثقة وإن كان أزهريا , والناس حينها سوف يستطيعون المقارنة بين الطريقتين والمنهجين .. والحقُ والاعتدال لا يَخفَيان على الناس عندئذٍ.
    إذا أردنا أن ننهض بالأمة من جديد , وأردنا أن ننشر العلم الشرعي الصحيح , وشعرنا بثقل الأمانة التي نحملها على عواتقنا بما تعلمناه وعرفناه .. علينا أن نعيش لتلك القضية , ونجعل لها جزءا أصيلا من أوقاتنا إن لم تأخذ جميع وقتنا ..
    فما انتشر هذا العلم وما وصل إلينا إلا بصبر العلماء وطلبة العلم على تحصيله ونشره , مجابيهن الشدائد من الضعف والفقر وغيرهما في سبيل ذلك .. فأكرمهم الله تعالى بقبول عملهم وتخليد ذكراهم في الناس إلى أن تقوم الساعة.
    فهلاّ بحثنا لأنفسنا عن دور في عملية الإحياء هذه ؟ وهلاّ قمنا نشد العزم لمنافسة من سبقنا وأدى ما عليه إلينا , حتى نؤدي نحن أيضا ما علينا إلى من خلفنا؟
    أسأل الله تعالى أن يستعملنا ولا يستبدلنا , وأن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا من ينفعنا , وان يهدينا ويهدي بنا ويجعلنا سببا لمن اهتدي , وأن يجعلنا للمتقين إماما.

    أيام في طهران .. !!

    17 يناير 2008

    بقلم - الشيخ الدكتور عائض القرني
    سافرت إلى طهران ومعي الدكتور يحيى الهنيدي والشيخ سعيد الغامدي ،